محمد بن جرير الطبري

435

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

التوبة فأصلها الأَوبة من مكروه إلى محبوب ، فتوبة العبد إلى ربه : أوبته مما يكرهه الله منه بالندم عليه والإِقلاع عنه ، والعزم على ترك العود فيه . وتوبة الرب على عبده : عوده عليه بالعفو له عن جرمه والصفع له عن عقوبة ذنبه ، مغفرة له منه ، وتفضلا عليه . فإن قال لنا قائل : وهل كان لهما ذنوب فاحتاجا إلى مسألة ربهما التوبة ؟ قيل : إنه ليس أحد من خلق الله إلا وله من العمل فيما بينه وبين ربه ما يجب عليه الإِنابة منه والتوبة . فجائز أن يكون ما كان من قبلهما ما قالا من ذلك ، وإنما خصا به الحال التي كانا عليها من رفع قواعد البيت ، لأَن ذلك كان أحرى الأَماكن أن يستجيب الله فيها دعاءهما ، وليجعلا ما فعلا من ذلك سنة يقتدى بها بعدهما ، وتتخذ الناس تلك البقعة بعدهما موضع تنصل من الذنوب إلى الله . وجائز أن يكونا عنيا بقولهما : وَتُبْ عَلَيْنا وتب على الظلمة من أولادنا وذريتنا ، الذين أعلمتنا أمرهم من ظلمهم وشركهم ، حتى ينيبوا إلى طاعتك . فيكون ظاهر الكلام على الدعاء لأَنفسهما ، والمعني به ذريتهما ، كما يقال : أكرمني فلان في ولدي وأهلي ، وبرني فلان : إذا بر ولده . وأما قوله : إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ فإنه يعني به : إنك أنت العائد على عبادك بالفضل والمتفضل عليهم بالعفو والغفران ، الرحيم بهم ، المستنقذ من تشاء منهم برحمتك من هلكته ، المنجي من تريد نجاته منهم برأفتك من سخطك . القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهي الدعوة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى " . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان الكلاعي : أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال ؛ " نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى صلى الله عليه وسلم " . حدثني عمران بن بكار الكلاعي ، قال : ثنا أبو اليمان ، قال : ثنا أبو كريب ، عن أبي مريم ، عن سعيد بن سويد ، عن العرباض بن سارية السلمي ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إني عند الله في أم الكتاب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى قومه ورؤيا أمي " . حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرني معاوية ، وحدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني ، قال : حدثني أبي ، قال : ثنا الليث بن سعد ، عن معاوية بن صالح ، قالا جميعا ، عن سعيد بن سويد ، عن عبد الله بن هلال السلمي ، عن عرباض بن سارية السلمي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن سعيد بن سويد ، عن عبد الأَعلى بن هلال السلمي ، عن عرباض بن سارية أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ؛ فذكر نحوه . وبالذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ففعل الله ذلك ، فبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفون وجهه ونسبه ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو محمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر عن الربيع : رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو محمد صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : قد استجيب ذلك ، وهو في آخر الزمان . ويعني تعالى ذكره بقوله : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ يقرأ عليهم كتابك الذي توحيه إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ . ويعني بالكتاب القرآن . وقد بينت فيما مضى لم سمي القرآن كتابا وما تأويله . وهو قول جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس